الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

497

تفسير روح البيان

بالذكر الايمان بذلك مع اندراجه فيما قبله تنويها بشأن المنزل عليه كما في عطف جبرائيل على الملائكة وتنبيها على سمو مكانه من بين سائر ما يجب الايمان به وانه الأصل في الكل ولذلك أكد بقوله تعالى وَهُوَ اى ما نزل على محمد الْحَقُّ حال كونه مِنْ رَبِّهِمْ بطريق حصر الحقية فيه والحق مقابل الباطل كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ اى سترها بالايمان والعمل الصالح وَأَصْلَحَ بالَهُمْ اى حالهم في الدين والدنيا بالتأييد والتوفيق قال الراغب في المفردات البال التي يكترث لها ولذلك يقال ما باليت بكذا اى ما اكترثت ويعبر عن البال بالحال الذي ينطوى عليه الإنسان فيقال ما خطر كذا ببالي وفي القاموس البال الحال ذلِكَ إشارة إلى ما مر من إضلال الأعمال وتكفير السيئات وإصلاح البال وهو مبتدأ خبره قوله بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اى كائن بسبب ان الكافرين اتَّبَعُوا الْباطِلَ اى الشيطان ففعلوا ما فعلوا من الكفر والصد فبيان سببية اتباعه للاضلال المذكور متضمن لبيان مسببيتهما لكونه أصلا مستتبعا لهما قطعا وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اى وبسبب ان المؤمنين اتَّبَعُوا الْحَقَّ الذي لا محيد عنه كائنا مِنْ رَبِّهِمْ ففعلوا ما فعلوا من الايمان به وبكتابه ومن الأعمال الصالحة فبيان سببية اتباعه لما ذكر من التكفير والإصلاح بعد الاشعار بسببية الايمان والعمل الصالح له متضمن لبيان مسببيتهما له لكونه مبدأ ومنشأ لهما حتما فلا تدافع بين الاشعار والتصريح في شئ من الموضعين كَذلِكَ اى مثل ذلك الضرب البديع يَضْرِبُ اللَّهُ اى يبين قال الراغب قيل ضرب الدراهم اعتبارا بضربها بالمطرقة ومنه ضرب المثل وهو ذكر شئ اثره يظهر في غيره لِلنَّاسِ أَمْثالَهُمْ اى أحوال الفريقين وأوصافهما الجارية في الغرابة مجرى الأمثال وهي اتباع الأولين الباطل وخيبتهم وخسرانهم واتباع الآخرين الحق وفوزهم وفلاحهم وفي الخبر اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه والحق يقال على أوجه الأول يقال لموجد الشيء بحسب ما نقضيه الحكمة ولذا قيل في اللّه تعالى هو الحق والثاني يقال للموجد بحسب مقتضى الحكمة ولذلك قيل فعل اللّه تعالى كله حق نحو قولنا الموت حق والبعث حق ويدخل فيه جميع الموجودات فإنه لا عبث في فعل الحكيم تعالى وبطلان بعض الأشياء إضافي لا حقيقي حتى الشيطان ونحوه والثالث يقال للاعتقاد في الشيء المطابق لما عليه ذلك الشيء في نفسه كقولنا اعتقاد فلان في البعث والثواب والعقاب والجنة والنار حق والرابع يقال للفعل والقول الواقع بحسب ما يجب وقدر ما يجب في الوقت الذي يجب كقولنا فعلك حق وقولك حق والباطل نقيض الحق في هذه المعاني فالايمان حق لأنه مما امر اللّه به ولكفر باطل لأنه مما نهى اللّه عنه وقس عليه الأعمال الصالحة والمعاصي والايمان عبارة عن قطع الإشراك باللّه مطلقا والعمل الصالح ما كان للّه تعالى خالصا وكان الكبار يبذلون مقدورهم فيه لان ما كان لرضى اللّه تعالى مفتاح السعادة في الدارين قال موسى عليه السلام يا رب فأي عبادك أعجز قال الذي يطلب الجنة بلا عمل والرزق بلا دعاء قال واى عبادك ابخل قال الذي يسأله سائل وهو بقدر على إطعامه ولم يطعمه والذي ينحل بالسلام على أخيه